محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

326

الآداب الشرعية والمنح المرعية

الباب ما يذكر عن طوائف من السلف من امتناعهم ومنعهم من استماع كلام المبتدعة خشية الفتنة عليهم وعلى غيرهم ، وأما من نهى عن ذلك للهجر أو للعقوبة على فعله فذلك نوع آخر - إلى أن قال : فهذه الأمور العدل فيه أن لا يطلب العبد أن يبتلي بها ، وإذا ابتلى بها فليتق اللّه وليصبر ، والاستعداد لها أن تصيبه من غير طلب الابتلاء بها ، فهذه المحن والفتن إذا لم يطلبها المرء ولم يتعرض لها بل ابتلى بها ابتداء أعانه اللّه تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده ، لأنه لم يكن منه في طلبها فعل ولا قصد حتى يكون ذلك ذنبا يعاقب عليه ، ولا كان منه كبر واحتيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه فإن العبد يؤتى من ترك ما أمر به ، وسواء كان مراده بها محرما أو مباحا أو مستحبا ، وإرادته بها المحرم زيادة ذنب ، وإن أراد بها المستحب فقد فعل ما لم يؤمر به ، وهذا مما يذم عليه كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعا : " ما بعث اللّه من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأنصار يستنون بسنته ويهتدون بهديه ثم إنه يخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون " " 1 " والتعرض للفتنة هو من الذنوب ، فالمؤمن الصادق لا يفعل إلا ما أمر به فإن ذلك هو عبادة ولا يستعين إلا باللّه ، فإذا أوجب هو بنفسه أو حرم هو بنفسه خرج عن الأول ، فإن وثق بنفسه خرج عن الثاني ، فإذا أذنب بذلك فقد يتوب بعد الذنب فيعينه حينئذ ، وقد يكون له حسنات راجحة يستحق بها الإعانة ، وقد يتداركه اللّه برحمته فيسلم أو يخفف عليه والتوبة بفعل المأمور وترك المحظور في كل حال بحبسه ليست ترك ما دخل فيه فإن ذلك قد لا يمكنه إلا بذنوب هي أعظم من ذنوبه مع مقامه فتدبر هذا . والمبتلي من غير تعرض قد يفرط بترك المأمور وفعل المحظور حتى يخذل ولا يعان فيؤتى من ذنوبه لا من نفس ما ابتلى به ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ الآية وهذا كثير أكثر من الذي قبله ، فأما المؤمنون الذين لم يكن منهم تفريط ولا عدوان فإذا ابتلوا أعينوا ، قال : وقد تبين أن التعرض للفتن بالإيجاب والتحريم بالعهود والنذور وطلب الولاية وتمني لقاء العدو ونحو ذلك هو من الذنوب . انتهى كلامه . وعن داود الطائي رحمه اللّه - وقيل له : أرأيت من يدخل على هؤلاء فيأمرهم وينهاهم ! قال : أخاف عليه السوط ، قيل : إنه يقوي قال : أخاف عليه السيف ، قيل : إنه يقوي قال : أخاف عليه الداء الدفين العجب ، وعن سفيان الثوري رحمه اللّه قال : إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص ، وإن لاذ بالأغنياء فمراء ، وإياك أن تخدع فيقال لعلك ترد عن مظلمة أو تدفع عن مظلوم ، فإن هذه خدعة من إبليس اتخذها فجاز القراء سلما . وقال الخلال : أنبأنا أبو نعيم الهمداني سمعت عبد اللّه بن أحمد بن شبويه سمعت أبي

--> ( 1 ) رواه مسلم ( الإيمان / 50 ) .